الأحد، 23 مايو 2021

وردة لهذا الشتاء...

 

وردة لهذا الشتاء...

 

                                                       قصّة: د. هناء إسماعيل

 


 لم تخني أصابعي، تلك الارتعاشات التي فاجأتني، وأنا أنسّق الورود الحمراء لم تكن لا إراديّة.. نعم.. أظنّ أنّي سمعت الباب يقرع، على غير عادته في مثل هذه الساعة يقرع. كان الوقت أوّل الصباح، وكنت أستعدّ للفّ أكبر عدد ممكن من الورود التي تملأ مشتلنا الصغير، انقبض قلبي، كلّ ما حولي أحمر، وقلبي أسود، قلبي زنبقة تتهرّئ كلّ ساعة وكلّ دقيقة، تدفعها ريح غريبة من رصيف لآخر، ولا تجد من يلملم نثراتها المبعثرة هنا وهناك.

  توقّفت قرب الباب، نظرت من العين الساحرة، لا أحد وراء الباب، لا أحد يقرع الجرس.. أتراني توهّمت ذلك؟! لا.. لا أظنّ، فأنا سمعت جرس الباب حقّاً. ترى هل غادر من قرعه لأنّه ملّ انتظاري، لأنّ ثمّة وقتاً مرّ قبل أن أقرّر فتحه؛ فأنا ترددّت لتوجسي من القادم في مثل هذه الساعة! بصراحة لأنّي لا أرغب في استقبال أحد، ولأنّ المنطق يقول هذا، فكيف أستقبل زائراً أيّاً كان في مثل هذه الساعة من الوقت؟ّ! ولنفترض أنّي لم أنهض باكراً، ألم يكن هذا وقتَ نومي المعتاد؟! وهل يصحً أن تُقلَق راحتي ويضطرب نظام اعتدت عليه سنين طويلة.

 بصراحة يزعجني أن يتطفّل الناس عليّ في أوقات راحتي! لماذا هم يتطفّلون عليّ هكذا؟! لماذا يتودّدون لي؟! من طلب منهم؟! وكيف استطاعوا الأسبوع الماضي اقتحام عالمي، ولم أستطع حينها منع أحد منهم الدخول إلى مملكتي.. منع أيّ منهم على الإطلاق!!

  ضربت الحائط بيديّ، ضربته بقوّة.. آلمني ذلك.. كيف لي أن أمسك المقصّ من جديد؟! يا لي من غبيّة بلهاء! كيف سأجمع الورود التي خطّطت لجمعها هذا اليوم بالذات..هذا اليوم.. نعم الرابع عشر من شباط.. عيد الحبّ.. عيد من أحببت وأحبني بقوّة.

 لم يعد لديّ وقت كثير.. بضع ساعات ويشتدّ النهار، وقد يطرق الباب في أيّة لحظة، يطرقه بكلتا يديه، ولربّما بأصابعه إذا ما أراد أن يسترضيني.. أن يداعبني.. أن يزيد لهفتي للقائه!

 وحدي أنا هنا، وأنا أنتظره.. ساعات طويلة مرّت عليّ في هذا الليل الطويل، وأنا أنتظر خطواته.. أتوقّعها لحظة بلحظة.. لم أستطع النوم.. طلبت من قريباتي مغادرة بيتي.. لا أحتاج أيّاً منهنّ.. لماذا يشعرن بالقلق عليّ، فأنا بخير.. بخير.. ليست المشكلة في طعام ولا شراب.. ثمّ ما المشكلة في أنيّ لا أريد.. لا أحسّ بشهية لطعام أو لشراب؟! وهل بالخبز وحده يحيا الإنسان؟! أحبّ هذه العبارة، ترى من قالها؟ السيّد المسيح على ما أظنّ.. نعم.. لطالما أحببتها؛ فالحياة لا تسير وفق منطقها المادي وحده.

  أتذكّر أنّي كثيراً ما اختلفت مع الأصدقاء حول هذه الفكرة، اتهموني بأنّي غير واقعيّة، بأنّي رومانسيّة، وبأنّ ثمّة حاجات دنيا لابدّ أن نحقّقها أوّلاً لنتطلّع بعدها إلى الحاجات العليا.. الحبّ والفنّ والشعر وأيّ كلام آخرُ ترف فكريّ لا يربطه بالواقع سوى ساعات فراغ نعيشها.. لا تستمرّ طويلاً.. لا يمكن أن تستمرّ، حاجات الواقع أقوى.

 توقّفت عند صورته التي تتصدّر الصالة.. ما أجمله! ما أشدّ هذا الجسد وما أقواه! ما أروع قامته! ما أجمل عينيه! ألأجل هذا عشقته الملاعب؟! عشقت يديه اللتين تقذفان الكرة بخفة ليس لوقعها مثيل؟ عشقته تلك السمراء التي توّجها ملكة في غرفة معيشتنا تنافسني عليه؟! قويّة هي مثله.. يالصمتها! كيف استطاعت أن تصبر على غيابه هذا؟! لم لا تنتفض مثلي؟! لماذا تركن في زاوية الغرفة قرب كرسيّه الهزّاز ساكنة لا تعلّق بشيء.

  أقترب منها.. أرفعها بيديّ.. أتحسّس ملمسها الخشن.. أحسّ بيديه تطوّقنا معاً.. تضغط على يديّ بحنانه المعهود.. تنسحب الكرة من بين يديّ.. صوت ارتطامها بالأرض يستثير صراخي، لكنّني لم أصرخ.. لا أريد، ولم أعتد الصراخ يوماً؟

  ساعة الحائط تدقّ بطيئة كعادتها.. لقد تأخّر.. لماذا تأخّر؟ لماذا تأخّر عن موعده؟

  كان هذا اليوم مقدّساً لديه، وهذا المشتل الذي اشتريناه منذ خمس سنوات صار ملعباً جديداً تتألّق فيه يداه.. تتفنّن في قصّ الورود وتنسيقها وتجهيزها لمتجرنا الصغير في سوق المدينة.

 أتهاوى على كرسيّه الهزّاز بانتظاره.. متعبة أنا.. أرقة.. منهك جسدي لأنّي لم أنم.. لم أستطع أن أنامَ.. هذا اليوم طرد من عينيّ كلّ محاولة لإغماضهما.

شرّقتني الأفكار وغرّبتني.. وجهه وهو يعاتبني من دون أن ينطق يحاصرني من الاتجاهات كلّها.. نعم كنت عصبيّة المزاج في الفترة الأخيرة.. أعترف أنّي فقدت الصبر في أكثر من موقف استدعى مني التريّث، وتجديد طاقتي على التحمّل؛ مرضه المفاجئ، وضغوط العمل خارج المنزل وداخله، وعدم اتفاقي مع أهله، وبعدي عن أهلي، وعدم براعتي في رعاية هذا المشتل وإدارته.. كلّ هذا أفقدني أعصابي مرّة بعد مرّة.

  لكنّني إنسانة لي طاقة محدودة على التحمّل.. لست بطلة مثله. قلت لنفسي محاولة إيجاد عذر ما لإحساسي بالذنب تجاهه.. لتذمّري من طلباته الكثيرة، ومن اضطراري للسهر على راحته. كيف لي أن أتابع عملي خارجاً وأنا لا أنام إلا لمماً كلّ يوم؟! وكيف لمن جسدها هزيل منهك أن تعمل ليل نهار في متجر ورود لا يدرّ عليها ما يفي أجرة المنزل والمتجر معاً؟!

مدينتنا صغيرة، واقتناء الورود التجاريّة ترف لا تحتاجه البيوت الكثيرة التي يتلهف معظمها لرغيف خبز ساخن ولسقف آمن ربّما صار حلماً هو الآخر.

 هو لم يعاتبني يوماً.. ولربّما كان في قلبه كثير من العتب عليّ. يؤلمني أنّه لم يشتك يوماً.. لم يتذمّر.. لم يقل كلمة واحدة يواجه بها ما صرت إليه من مزاج سيئ وعصبيّة تجاوزت حدودها، وردود أفعال لم أعتدها أنا نفسي.

  سريره البارد.. سريري الذي فارقته منذ سنتين، منذ أن أقعده المرض ممّا لا شفاء منه أحسّه الآن أكثر برودة.. لقد غادره منذ شهر تقريباً.. شهر بالتمام والكمال.. نعم.. أنا الآن أتذكّر.. أفهم لم تدافع الناس إلى بيتي؟ لم اقتحموا عالمي الذي أخلصته لنفسي؟ لماذا سمحت لهم بالدخول؟ ولربّما لم أسمح لكنّهم دخلوا!

 محمولاً على الأكفّ رأيته! رأيت تابوته الخشبيّ المكسّر! آلمني أن يودع ذلك الجسد الجميل ذلك التابوت القبيح؟

أحسّ بالحاجة إلى عناقه.. إلى البكاء على صدره والاعتذار.. لكلّ ما أحببت معه ولم أحبّ!

 صوت الساعة يدقّ مجدّداً، وطرقات الباب مجدّداً، وبلهفة عاشقة أصرّ الورود الحمراء مضمومة إلى صدري، أندفع بسرعة إلى الباب لأجد أخي بانتظاري، وبأنّه لم ينس موعدنا إلى مقبرة المدينة الجديدة في هذا الصباح الشتائيّ العاصف.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أفكار لها أرجل